أحمد زكي صفوت

352

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

« أيها الناس : أما بعد ، فإن هذا الكلام يجيء أحيانا ، ويعزب أحيانا ، فيسيح عند مجيئه سيبه « 1 » ، ويعزّ عند عزوبه طلبه ، ولربما كوبر فأبى « 2 » ، وعولج فنأى ، فالتأتّي « 3 » لمجيّه ، خير من التعاطي لأبيّه ، وتركه عند تنكّره ، أفضل من طلبه عند تعذّره ، وقد يختلج « 4 » من الجرىء جنانه ، وينقطع من الذّرب « 5 » لسانه ، فلا يبطره ذلك ولا يكسره ، وسأعود فأقول إن شاء اللّه » ، ثم نزل ، فما رئى حصر أبلغ منه . * * * وصعد أبو العنبس منبرا من منابر الطائف ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فأرتج عليه ، فقال : أتدرون ما أريد أن أقول لكم ؟ قالوا : لا ، قال : فما ينفعني ما أريد أن أقول لكم ، ثم نزل ؛ فلما كان في الجمعة الثانية ، وصعد المنبر وقال : أما بعد ، أرتج عليه ، فقال : أتدرون ما أريد أن أقول لكم ؟ قالوا : نعم ، قال : فما حاجتكم إلى أن أقول لكم ما علمتم ؟ ثم نزل ؛ فلما كانت الجمعة الثالثة ، قال : أمّا بعد : فأرتج عليه ، قال : أتدرون ما أريد أن أقول لكم ؟ قالوا : بعضنا يدرى ، وبعضنا لا يدرى ، قال : فليخبر الذي يدرى منكم الذي لا يدرى ، ثم نزل . * * * وولى اليمامة رجل من بني هاشم يعرف بالدّندان ، فلما صعد المنبر أرتج عليه ، فقال :

--> ( 1 ) السيب : العطاء ، وفي رواية : « فيتسبب عند مجيئه سببه » . ( 2 ) وفي رواية : « فعسا » أي اشتد وصعب . ( 3 ) تأتى له : ترفق ، وفي رواية : « فالتأفى » بالنون . ( 4 ) يضطرب . ( 5 ) الحاد اللسان : وفي رواية : « ويرتج على البليغ لسانه » ، وفي أخرى : « وقد يرتج على اللسن لسانه ، ولا ينظره القول إذا اتسع ، ولا يتيسر إذا امتنع ، ومن لم تمكن له الخطوة ، فخليق أن تعن له النهوة » وفي أخرى : « وقد يتعاصى على الذرب لسانه ، ثم لا يكابر القول إذا امتنع ، ولا يرد إذا اتسع ، وأولى الناس من عذر على النبوة ، ولم يؤاخذ على الكبوة ، من عرف ميدانه ، اشتهر إحسانه وسأعود وأقول » .